أحمد بن محمد المقري التلمساني

339

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

بها على حكمه ، وخرج ابن ذي النون منها على أقبح صورة ، وأفظع سيرة ، ورآه الناس وبيده اصطرلاب يأخذ به وقتا يرحل فيه ، فتعجب منه المسلمون ، وضحك عليه الكافرون ، وبسط الكافر العدل على أهل المدينة ، وحبب التنصر إلى عامة طغامها « 1 » ، فوجد المسلمون من ذلك ما لا يطاق حمله ، وشرع في تغيير الجامع كنيسة في ربيع الأول سنة ست وتسعين وأربعمائة . ومما جرى في ذلك اليوم أن الشيخ الأستاذ المغامي « 2 » رحمه اللّه تعالى صار إلى الجامع ، وصلى فيه ، وأمر مريدا له بالقراءة ، ووافاه الفرنج لعنهم اللّه تعالى وتكاثروا لتغيير القبلة ، فما جسر أحد منهم على إزعاج الشيخ ولا معارضته ، وعصمه اللّه تعالى منهم ، إلى أن أكمل القراءة ، وسجد سجدة ، ورفع رأسه ، وبكى على الجامع بكاء شديدا ، وخرج ولم يعرض أحد له بمكروه . وقيل لملك النصارى : ينبغي أن تلبس التاج كمن كان قبلك في هذا الملك ، فقال : حتى نأخذ قرطبتهم ، وأعد لذلك ناقوسا تأنق فيه وفيما رصّع به من الجواهر ، فأكذبه اللّه وأزعجه « 3 » . وورد أمير المسلمين وناصر الدين يوسف بن تاشفين ، فما قصر فيما أثر من إذلال المشركين ، وإرغام الكافرين ، واستدراك أمور المسلمين ، انتهى ملخصا ، وقد مر مطولا . وكانت قبلها وقعة بطرنة سنة ست وخمسين وأربعمائة ، وذلك أن الفرنج - خذلهم اللّه تعالى ! - انتدبت منهم قطعة كثيفة ، ونزلت على بلنسية في السنة المذكورة ، وأهلها جاهلون بالحرب ، معرضون « 4 » عن أمر الطعن والضرب ، مقبلون على اللذات من الأكل والشرب ، وأظهر الفرنج الندم على منازلتها ، والضعف عن مقاومة من فيها ، وخدعوهم بذلك فانخدعوا ، وأطمعوهم فطمعوا ، وكمن « 5 » في عدة أماكن جماعة من الفرسان ، وخرج أهل البلد بثياب زينتهم ، وخرج معهم أمير هم عبد العزيز بن أبي عامر ، فاستدرجهم العدو لعنهم اللّه تعالى ، ثم عطفوا عليهم فاستأصلوهم بالقتل والأسر ، وما نجا منهم إلا من حصّنه أجله ، وخلص الأمير نفسه ، ومما حفظ عنه أنه أنشد لما أعياه الأمر : [ الطويل ] خليليّ ليس الرّأي في صدر واحد * أشيرا عليّ اليوم ما تريان

--> ( 1 ) الطغام : أرذال الناس . ( 2 ) هكذا في أ ، ب ، ه ، وفي ج « المقامي » . ( 3 ) أزعجه : طرده ، وقلعه من مكانه . ( 4 ) في ب « مغترون بأمر الطعن والضرب » . ( 5 ) في ب « وكمّنوا في عدة أماكن جماعة من الفرسان » .